قراءة متّصلة · ٣٠ دقيقة

عبر الفكر الغربي

خمسة فصول في المعرفة والحرية، من كتب العصور الوسطى إلى أسئلة القرن العشرين.

قصص ناجين توحي بأننا وجدنا الجواب، وصبيّ يكتشف أن القراءة قد تزيد ألمه، وكلمات يتغيّر أثرها حين تنتقل من صحيفة إلى حشد غاضب. من مثل هذه المواقف نقترب من أسئلة المعرفة والحرية والعيش المشترك. نبدأ بخمس لمحات قصيرة عن الكتب والجامعات والطباعة في أوروبا، ثم نتوقف عند حجج ومواقف يمكن أن نشارك في مناقشتها. هذه مختارات من العصور الوسطى إلى القرن العشرين، تصل الفكر الأوروبي والأمريكي بتراث أقدم وبعوالم أخرى. لن تتفق الأصوات التي نلتقيها على جواب واحد، وربما يبقى معك طويلًا سؤال أثار اعتراضك.

النصوص من كتابة الرواق، وليست اقتباسات حرفية. الحكايات المنقولة مرتبطة بمصادرها، والأمثلة المتخيّلة مداخل توضيحية معلنة. ويمكن فتح مصادر كل وقفة للعودة إلى أصل الفكرة.

تصوّر فني متخيّل لغرفة دراسة أوروبية في القرن الثالث عشر، فيها كتب رقّ وريشة كتابة، وخلفها رواق حجري لدير.

حوارات العصور الوسطى · القرنان الثاني عشر والثالث عشر الميلاديان

العصور الوسطى: الكتاب والمدينة

لمحة عن أوروبا في العصور الوسطى: كتب تُنسخ وتُترجم، ومجالس دراسة في الأديرة، ومدن تنمو فيها الجامعات.

كتاب يصل إلى قارئ جديد

تمتد العصور الوسطى الأوروبية تقريبًا من القرن الخامس إلى الخامس عشر. وفي مراكز مثل طليطلة وصقلية، أخذت كتب تنتقل من العربية إلى اللاتينية، بينها أعمال ابن سينا وابن رشد. صار في وسع قارئ لا يعرف العربية أن يدخل هذا الحوار. وفي أوروبا التي كان للكنيسة حضور واسع في تعليمها، نمت مدن وظهرت جامعات ومجالس للدرس.

ابن سيناابن رشد

كيف يغيّر انتقال كتاب إلى لغة أخرى دائرة المشاركين في مناقشة أفكاره؟

مصادر هذه الوقفة

صفحة تُنسخ باليد

قبل انتشار الطباعة، كان الناسخ ينقل الكتاب كلمة كلمة. واحتفظت أديرة بمخطوطات دينية وأدبية وعلمية، وأسهمت في نسخها ودراستها. ومن شخصيات هذا العالم هيلدغارد من بنغن، التي أدارت ديرًا في القرن الثاني عشر، وكتبت ولحّنت. تكشف سيرتها جانبًا من حياة النساء المتعلمات، ومن العمل الذي أبقى الكتب بين أيدي القرّاء.

هيلدغارد من بنغن

ماذا كان سيضيع لو لم يجد الكتاب من ينسخه؟

مصادر هذه الوقفة

الجامعة ومكان للاعتراض

سؤال، ثم اعتراضات، ثم جواب يناقشها: بهذا الترتيب بنى توما الأكويني كثيرًا من مسائل كتبه. كان من أعلام باريس في القرن الثالث عشر، حين برزت جامعات مثل باريس وبولونيا مراكزَ للدرس. فيها قُرئت كتب القانون والطب والفلسفة واللاهوت، وصارت مناقشة النصوص جزءًا من التعلّم.

توما الأكويني

ما الذي تضيفه حجة مخالفك إلى فهم المسألة؟

مصادر هذه الوقفة
تصوّر فني متخيّل لورشة طباعة إيطالية في القرن السادس عشر، فيها قوالب حروف وأوراق وفناء هادئ.

النهضة وبدايات العصر الحديث · نحو ١٤٥٠–١٦٥٠م

كيف نراجع ما ورثناه؟

ننتقل إلى الطباعة والنهضة، ثم إلى بدايات العصر الحديث؛ زمن اتسعت فيه دوائر القراءة وتعددت طرق السؤال.

غوتنبرغ والصفحة التي تتكرر

حروف معدنية تُرتّب، وحبر وورق، ثم نسخ متعددة من الصفحة نفسها. في منتصف القرن الخامس عشر، طوّر غوتنبرغ في ماينتس هذا النظام للطباعة. اتسعت فرص تداول الكتب، ووصلت أعمال كتّاب مثل إيراسموس إلى قرّاء أكثر. ومع الاهتمام باللغات القديمة ومراجعة النصوص، نقترب من النهضة وبدايات العصر الحديث.

إيراسموس

حين يصبح نشر الكلام أسهل، هل تصبح معرفة الصواب أسهل أيضًا؟

مصادر هذه الوقفة

يرافقنا هنا مشهد متخيّل لورشة إيطالية يستحضر حرفة الطباعة في تلك الثقافة، لا مكان عمل غوتنبرغ الفعلي.

مونتيني في زمن الحروب

في القرن السادس عشر، عاشت فرنسا حروبًا دينية قاسية. وفي هذا الزمن بدأ مونتيني نشر «المقالات» سنة ١٥٨٠، وكتب عن التربية والصداقة والعادات وتجربته الشخصية. كان يفحص أحكامه وهو يكتب. ومن بين الكتب وأحداث عصره، يقترب منا سؤال: كم من آرائنا اقتنعنا به، وكم منها ألفناه فحسب؟

ميشيل دي مونتيني

كيف تكتشف الفرق بين رأي اختبرته ورأي اعتدت سماعه؟

مصادر هذه الوقفة

بيكون وحكايات الناجين

يروي فرانسيس بيكون حكاية رجل عُرضت عليه ألواح نذرية تركها ناجون من الغرق. كانت الألواح تُقدّم دليلًا على أثر النذر في نجاتهم. لكن الرجل سأل عمّن نذروا ثم غرقوا: أين ما يدلّ عليهم؟

تظهر الحكاية في «الأورغانون الجديد»، سنة ١٦٢٠. وقد تكون كل قصة على الجدار صحيحة، ومع ذلك يكون الاستنتاج مضللًا؛ لأن القصص التي لم تُعرض قد تغيّر الصورة. رأى بيكون أن الذهن، حين يتعلق برأي، يجمع ما يؤيده ويسهّل على نفسه إغفال ما يعارضه.

لذلك دعا إلى مقارنة منظّمة للحالات، تشمل ما يظهر فيه الشيء وما يغيب عنه. ويقرب منا السؤال حين نسمع عن طريقة نجح بها أشخاص كثيرون، من دون أن نعرف عدد من جرّبوها ولم ينجحوا. هذا امتداد معاصر للحكاية، ويمكن أن يقع حتى من دون كذب متعمّد.

يفتح بيكون مشكلة أعمق من طلب مزيد من الأدلة: قد نملك أدلة كثيرة، لكننا نكون قد اخترناها جميعًا من الجهة نفسها. فمن الذي سيبحث عن الجانب الذي لا يوافق حكايتنا؟

فرانسيس بيكون

كيف يمكن لقصص صحيحة كلّها أن تقودنا إلى اعتقاد خاطئ؟

مصادر هذه الوقفة
تصوّر فني متخيّل لمقهى أوروبي مستلهم من القرن الثامن عشر، فيه كتب وأكواب من الخزف.

التنوير · القرن الثامن عشر الميلادي

من يفكّر ومن يُسمع؟

بعد فحص الكتب وعادات النظر، يقترب السؤال من صاحبه: كيف تتكوّن قناعتي؟ وهل أملك أن أعلنها؟ ومن حُرم فرصة تكوينها؟

هيوم والاصطدام الذي لم يحدث بعد

كرة بلياردو تقترب من أخرى ساكنة. قبل الاصطدام، تكاد ترى الحركة التالية في ذهنك. يتوقف ديفيد هيوم عند هذه اللحظة: أنت تعرف ما جرى في مرات سابقة؛ فمن أين جاء يقينك بما سيجري الآن؟

في «بحث في الفاهمة البشرية»، سنة ١٧٤٨، يلاحظ أن أثرًا بعينه لا يمكن استنتاجه من تأمل السبب وحده من دون خبرة. فمَن لم يعرف الاصطدام بالتجربة لن يجد حركة الكرة الثانية مكتوبة في شكل الأولى. وقد نتخيل نتيجة مختلفة من غير تناقض منطقي.

يمكن أن تقول إن الماضي علّمنا أن الطبيعة تسير بانتظام. لكن الاحتجاج بنجاح التجربة السابقة كي نضمن التجربة المقبلة يعيدنا إلى الافتراض الذي نحاول إثباته. يفسّر هيوم انتقالنا إلى التوقع بالعادة التي يصنعها التكرار.

ومع ذلك نواصل اللعب والتخطيط والتعلّم من الخبرة. فالسؤال يمس نوع الثقة التي نستطيع تبريرها، وحدودها. قد يكون توقع ما قويًا بما يكفي للعمل، مع بقاء فرق بين قوته وبين استحالة أن يخطئ.

ديفيد هيوم

ما الذي يبرر أن نعتمد على الماضي حين نقرر أمرًا لم يحدث بعد؟

مصادر هذه الوقفة

كانط: راحة أن يفكّر غيرك

كتاب يقرر عني ما أعتقده، ومرشد يتولى الحكم بدلًا مني. في مقالته «ما التنوير؟» سنة ١٧٨٤، يصوّر كانط الراحة التي يجدها الإنسان حين يعهد بمهمة التفكير إلى غيره. وقد يألف هذه الراحة حتى يخشى أن يجرّب حكمه بنفسه.

يقصد كانط بالتنوير الخروج من هذه الوصاية. يبقى التعلّم من الآخرين ضروريًا، لكن المسألة هي مسؤولية الإنسان عن فهم الأسباب ومناقشتها. وللخروج من الاتكال شروط عامة أيضًا، أهمها إمكان مخاطبة جمهور القرّاء بحرية.

مع ذلك، يقبل كانط أن ينفّذ الضابط أمرًا في خدمته، ثم ينقد المؤسسة بصفته كاتبًا أمام الجمهور. يسمّي الأول استعمالًا خاصًا للعقل، والثاني استعمالًا عامًا. إنه يحاول الجمع بين عمل المؤسسة وحرية نقدها؛ وقد نسأله أين يصبح هذا الجمع صعبًا.

وتظهر مشكلة أخرى في فلسفته السياسية: استبعد النساء وغير المستقلين اقتصاديًا من المواطنة الفاعلة والتصويت. لذلك ينبغي أن يصل سؤاله عن الوصاية إلى حدود تصوره هو أيضًا: لمن يمنح حق الحكم، ومَن يُبقيه تابعًا؟

إيمانويل كانط

كيف نتعلّم من خبرة الآخرين من دون أن نتخلى لهم عن مسؤولية حكمنا؟

مصادر هذه الوقفة

وولستونكرافت: كيف نصنع التبعية

تخيّل طفلين نربيهما بطريقتين: نشجع أحدهما على السؤال والمحاولة، ونكافئ الآخر كلما أرضانا وانتظر توجيهنا. ثم يكبران، فنصف الأول بالاستقلال والثاني بالعجز عنه. كم من الفرق الذي نحكم به صنعناه نحن؟

هذا المثال يقرّب اعتراض ماري وولستونكرافت على تعليم النساء في عصرها. في «دفاع عن حقوق المرأة»، سنة ١٧٩٢، انتقدت تربية تُعدّ المرأة لإرضاء الرجل أكثر مما تنمّي قدرتها على الحكم وتحمل المسؤولية. فالحرمان من تدريب العقل لا يصلح دليلًا على نقص فطري فيه.

في مناقشتها لروسو وغيره، طالبت بتعليم جاد، واقترحت مدارس نهارية يتعلم فيها الصغار من الجنسين معًا. كانت تصل تنمية العقل بالفضيلة والاستقلال الأخلاقي، وتطالب بأن تُعامل المرأة باعتبارها قادرة على التعلم، لا أن تُحبس في الصورة التي صنعتها تربيتها.

هنا تتغير قراءة سؤال كانط. الدعوة إلى استعمال الفهم تحتاج إلى فرص يتدرّب فيها الإنسان على استعماله. وقد نعلن أننا نريد له الاستقلال، بينما نظل نكافئ طاعته أكثر مما نحترم حكمه.

ماري وولستونكرافت

ما الذي ينبغي أن نغيّره في التربية قبل أن نطالب المتعلّم بالاستقلال؟

مصادر هذه الوقفة
تصوّر فني متخيّل لقاعة قراءة وورشة طباعة في القرن التاسع عشر، بجانب شارع ذي أبنية من الآجر.

المجتمع الصناعي والإصلاح · القرن التاسع عشر الميلادي

الحرية حين تمسّ العيش

تدخل الحرية هنا أماكن العمل والبيوت والصحف. يصبح معناها مرتبطًا بما يملكه الإنسان من وقت ومعرفة وسلطة على حياته.

ماركس: أجر جيد، وعمل غريب عن صاحبه

قد يتقاضى عامل أجرًا جيدًا، ثم يقضي يومه في نشاط لا يختار طريقته أو غايته، ويخرج منتَجُه من بين يديه إلى عالم لا يملك القرار فيه. هل يكفي ارتفاع الأجر إذا ظل العامل بلا رأي في طريقة عمله وغايته؟

في مخطوطاته سنة ١٨٤٤، بحث كارل ماركس هذه المسافة بين الإنسان وعمله تحت اسم الاغتراب. فالعامل منفصل عن نتاج نشاطه وعن التحكم فيه، وقد تتحول علاقاته بالآخرين إلى منافسة أو استعمال متبادل. وما يستطيع فعله بوصفه إنسانًا مبدعًا ومتعاونًا أوسع مما يسمح به هذا التنظيم للعمل.

هذا تحليل للعلاقات الاقتصادية والملكية في المجتمع الرأسمالي، لا تشخيص لمزاج عامل بعينه. ولهذا يمكن أن يبقى الاغتراب قائمًا مع أجر مرتفع أو ساعات أقل. يفكر ماركس في القدرة على تقرير النشاط نفسه، وفي إمكان أن يجد الإنسان في عمله تعبيرًا عن قدراته.

قد نعترض بأن الأعمال تحتاج إلى تقسيم وتنسيق، وأن أحدًا لا يقرر كل شيء وحده. يبقى السؤال عن الفرق بين تعاون يوزع القرارات، وتنظيم يجعل بعض الناس أدوات لتنفيذ قرارات لا يشاركون فيها.

كارل ماركس

ما الذي يجعل العمل عملًا يشارك فيه الإنسان، لا مجرد وقت يبيعه؟

مصادر هذه الوقفة

دوغلاس: خبز مقابل القراءة

كان فريدريك دوغلاس يحمل كتابًا في مشاويره، ويعطي صبية فقراء من الخبز مقابل مساعدتهم له على القراءة. يروي ذلك في سيرته المنشورة سنة ١٨٤٥. كان هو مستعبَدًا، وكانوا أحرارًا؛ وما بدا درسًا صغيرًا في الشارع كان يفتح أمامه بابًا أُريد له أن يبقى مغلقًا.

بدأت صوفيا أولد تعليمه، ثم منعها زوجها، معللًا ذلك بأن المعرفة ستجعله أصعب إخضاعًا. فهم دوغلاس من هذا المنع شيئًا عن صلة المعرفة بالحرية، وواصل التعلّم بطرق أخرى. منحته القراءة كلمات وحججًا يواجه بها الظلم الذي يعيش فيه.

لكنها زادت ألمه أيضًا. صار يرى حاله بوضوح أشد، بينما لم يكن قد وجد طريق الخلاص. يفصلنا هذا التفصيل عن حكاية سهلة تجعل التعلّم سعادة فورية. قد تكشف المعرفة ما لا نقدر على تغييره بعد.

هرب دوغلاس لاحقًا من الاستعباد، وأصبح كاتبًا وخطيبًا يناضل لإلغائه. وحين نعود إلى صبي الشارع، يصير سؤال قيمة المعرفة أصعب وأغنى: ما الذي أعطته القراءة له، حتى قبل أن تزيل ما كان يعانيه؟

فريدريك دوغلاس

هل تبقى المعرفة خيرًا حين تجعل واقعنا أشد إيلامًا قبل أن تساعدنا على تغييره؟

مصادر هذه الوقفة

مِل: الجملة نفسها أمام جمهورين

يتهم شخص تجّار الحبوب بأنهم سبب جوع الفقراء. يرد الاتهام مرة في صحيفة، ومرة أمام حشد غاضب متجمّع عند بيت تاجر. الكلمات متقاربة، لكن الموقف تغيّر. بهذا المثال، في «عن الحرية» سنة ١٨٥٩، يميز جون ستيوارت مِل بين مناقشة رأي والتحريض على الأذى.

دافع مِل عن حرية النقاش لأن مَن يُسكت غيره قد يكون مخطئًا، أو يفوته جزء من الحقيقة. وحتى الرأي الصحيح يضعف فهمنا له إذا اكتفينا بحفظه ولم نختبر أسبابه. فالمعارض قد يؤدي عملًا نحتاجه ونحن نرفض رأيه.

يرفض هذا الدفاع أن يصبح مجرد الاستياء من فكرة سببًا كافيًا لإسكاتها. لكنه يترك علينا مهمة فحص ما يفعله الكلام في موقف محدد: هل يعرض حجة، أم يدفع حشدًا إلى إيذاء شخص؟

وله حدّ استعماري في النص نفسه: أجاز مِل الحكم الاستبدادي على شعوب صنّفها غير مهيأة للنقاش الحر، إذا حقق ما يعدّه تحسينًا لأحوالها. وهنا يعود السؤال إليه: بأي حق يقرر طرف أن غيره لم يصبح أهلًا للحرية؟

جون ستيوارت مِل

كيف نحمي مناقشة فكرة حادة من دون تجاهل ما قد يفعله الكلام في موقف بعينه؟

مصادر هذه الوقفة
تصوّر فني متخيّل لقاعة قراءة أوروبية في منتصف القرن العشرين، فيها دفاتر وفنجان وشجرة صغيرة في الفناء.

حوارات حديثة · القرن العشرون الميلادي

ماذا نصنع بحريتنا؟

نصل إلى المدرسة، وإلى علاقاتنا اليومية، وإلى المجال الذي نلتقي فيه بوصفنا مواطنين. ماذا يحتاج العيش المشترك كي يتسع لاختلافنا؟

ديوي: عصابة تعرف كيف تتعاون

حتى عصابة اللصوص تتشارك مصلحة ما، كما يلاحظ جون ديوي. قد يتعاون أعضاؤها بإتقان، لكن قوة صلتهم بعضهم ببعض لا تكفي وحدها للحكم على نوع الحياة التي يصنعونها. فما الذي ينبغي أن نعرفه أيضًا عن الجماعة؟

في «الديمقراطية والتربية»، سنة ١٩١٦، يقترح ديوي النظر إلى تنوع المصالح التي يتشاركها الأعضاء، وإلى حرية تواصلهم مع جماعات أخرى. فالجماعة المغلقة قد تنمّي الولاء داخلها، وتبني علاقتها بمن خارجها على الخوف أو الاستغلال. يضيق بذلك ما يستطيع أفرادها أن يتعلموه من غيرهم.

تعود هذه الفكرة إلى المدرسة والعمل. قد ينجز فريق مهمة بسرعة لأن الجميع ينتظر تعليمات شخص واحد. وقد يتعلم فريق آخر عبر تبادل الخبرة ومراجعة الخطة معًا. هذا المثال من حياتنا يكشف أن طريقة التعاون تعلّم الناس شيئًا، إلى جانب النتيجة التي تحققها.

عند ديوي، تتصل الحياة الديمقراطية بقدرة الناس على مشاركة الخبرات وتعديل عاداتهم. لذلك لا يكفي أن نسأل هل نجحت الجماعة؛ يلزم أيضًا أن نعرف مَن شارك في تعريف النجاح، وكيف تعاملت مع الآخرين.

جون ديوي

هل يكفي نجاح جماعة في التعاون كي تكون طريقة عيشها معًا جيدة؟

مصادر هذه الوقفة

بوفوار: فرصة واحدة، وثمنان

تخيّل امرأتين يصل إليهما عرض العمل نفسه في مدينة أخرى. تستطيع إحداهما الانتقال، وتعرف أنها ستجد سندًا إذا أخفقت. أما الأخرى فتعول أسرتها، ولا تملك ما يكفي للمجازفة. يبدو العرض واحدًا؛ لكن ما تستطيع كل منهما فعله به مختلف.

هذا مثال معاصر يقرّب سؤال سيمون دو بوفوار عن الحرية داخل شروط الحياة. في «أخلاق الغموض»، سنة ١٩٤٧، بحثت مسؤولية الإنسان عن اختياراته وصلتها بحرية الآخرين. وفي «الجنس الآخر»، سنة ١٩٤٩، فحصت ما تصنعه التربية والعادات والمؤسسات من إمكانات ومن تبعية في حياة النساء.

تنبع حجتها من فلسفتها الوجودية: نختار داخل أوضاع لم نخترها كلها، وتؤثر اختياراتنا في فرص غيرنا أيضًا. قد أقول لشخص إن الطريق مفتوح، وأنا لا أرى الكلفة التي تجعل العبور شبه مستحيل عليه.

لكن إذا قررنا نيابة عنه ما ينبغي أن يختاره، فقد نضيف وصاية جديدة. لذلك تحمل مساعدته مسؤوليتين معًا: أن نأخذ عوائقه بجدية، وأن نعترف له بحق أن يكون صاحب المشروع والقرار.

سيمون دو بوفوار

إذا رفض شخص فرصة لا يستطيع تحمّل ثمنها، فبأي معنى اختار الرفض؟

مصادر هذه الوقفة

آرنت: من يجلس حول الطاولة؟

طاولة يجلس حولها أشخاص: تجمعهم، وتُبقي بين كل منهم والآخر مسافة. تستخدم حنّة آرنت هذه الصورة في «الوضع البشري»، سنة ١٩٥٨. يستطيعون النظر إلى الشيء نفسه، من دون أن يروا منه الجانب نفسه.

تساعد الصورة على فهم العالم المشترك عندها. نلتقي حول أمور تعنينا، ويضيف اختلاف مواقعنا إلى ما يمكن أن نراه منها. فوجود الآخرين يتيح أن يظهر جانب من العالم لا تمنحه لي زاوية نظري وحدها.

عاشت آرنت المنفى بعد فرارها من ألمانيا النازية، ودرست الشمولية. وفي تفكيرها في الحياة السياسية، يرتبط الفعل بالتعدد: يتكلم أشخاص مختلفون ويبدأون عملًا معًا. لكن البداية تدخل شبكة من أفعال غيرهم، فتتجاوز نتائجها قدرة أي واحد منهم على التحكم بها وحده.

يمكن أن نرغب في التعاون، ثم نضيق باستقلال مَن نتعاون معهم. هنا تصبح الطاولة صورة لمسألة صعبة: كيف نبني أمرًا مشتركًا، من دون أن نطلب من الآخرين أن يتخلوا عن مواضعهم ويصيروا نسخًا منا؟

حنّة آرنت

ماذا يمكن أن يخسره العالم المشترك إذا لم يُسمح فيه إلا بزاوية نظر واحدة؟

مصادر هذه الوقفة

ربما بدأت وأنت تنتظر ما سيقوله كل مفكر، ثم وجدت نفسك تحاوره أو تعترض عليه. بيكون يسأل عمّا غاب عن الدليل، وهيوم عمّا يبرر توقعنا؛ وولستونكرافت ودوغلاس يغيّران معنى الدعوة إلى التفكير حين يكون باب التعلّم مغلقًا؛ ومِل وبوفوار وآرنت يضعون الحرية بين أناس تختلف مواقعهم وقدراتهم. اختر موقفًا بقي معك، وصغ السؤال الذي أثاره لديك. حاول الإجابة عنه، ثم ابحث عن أقوى اعتراض على جوابك.

العودة إلى السوقالقراءة وقفةً وقفة