بيتٌ معتم
يروي الرومي أنّ قومًا جاؤوا من الهند بفيلٍ يعرضونه على الناس، ووضعوه في بيت مظلم. أقبل الزوّار ليروا الحيوان الذي سمعوا به، لكنّ العتمة حجبت صورته عن عيونهم. كان المكان شديد الظلمة، فلا تبدو فيه حدود الجسم ولا ملامحه. مدّ كلّ واحد يده يتحسّس ما يقع قريبًا منه، يريد أن يعرف بلمسةٍ هيئة ذلك الكائن الكبير الذي اجتمعوا من أجله.
أربع صور
بلغت يد أحدهم الخرطوم، فتخيّل الفيل شبيهًا بميزاب ممتدّ. ووقعت يد آخر على الأذن، فوجد فيها هيئة مروحة واسعة. أمّا الذي أمسك بالساق، فقد عرف شيئًا يشبه العمود. ووضع رابعٌ يده على الظهر، فبدا له كأنّه عرش. لكلّ صورة سببٌ لمسته اليد، ولكلّ زائر موضع وقف فيه. وكان الفيل الواحد حاضرًا وراء الصور جميعًا، أكبر من المساحة التي استطاعت أيّ يد أن تبلغها وحدها.
حين التقَت الأوصاف
بدأ الزوّار يصفون ما عرفوه، فاختلفت كلماتهم باختلاف مواضعهم. ما بدا لأحدهم ممتدًّا، بدا للآخر عريضًا، ولغيره قائمًا ثابتًا. وصف كلّ واحد الفيل كلّه بما عرفه من جزء واحد. لا يحتاج اختلافهم إلى أن يكون أحدهم قد كذب؛ يكفي أن تُؤخذ الناحية على أنّها الصورة بأسرها.
لو كانت معهم شمعة
يتوقّف الرومي عند نورٍ كان يمكن أن يغيّر اللقاء: لو حمل كلّ واحد شمعة، لزال هذا الاختلاف في الوصف. تظلّ الشمعة احتمالًا معلّقًا في الحكاية، يكشف ما نقص تلك الأيدي وهي تتحسّس طريقها. ثم يوسّع المثل إلى حدود المعرفة بالحواس وإلى نور البصيرة في سياقه الصوفي.
