قراءة متّصلة · ٣٠ دقيقة

عبر اليابان

هل يجعلنا النظام أكثر إنصافًا؟ هل تقول الحكاية حقيقة لا يقولها السجل؟ وهل نفهم أنفسنا أفضل حين نثق بها أم حين نراجعها؟ خمس مراحل نلتقي فيها كتّابًا ومفكرين يابانيين اختلفوا في المعرفة والمشاعر ومعنى الحياة الجيدة.

مشهد متخيّل لقرية من أواخر يايوي نحو سنة 100 ميلادية، تُرى من مسكن مسقوف بالقش، وفيها فخار ومخزن خشبي وحقول أرز.

من جومون إلى بدايات الدولة · عصور ما قبل الكتابة–القرن السابع الميلادي

بدايات المعرفة والحياة المشتركة

وعاء لا يخبرنا بكل شيء

حافة ترتفع وتلتفّ كأنها ألسنة نار. وتحتها جسم فخاري ترك الحبل بصماته على الطين. هذا وصف لوعاء محفوظ في متحف المتروبوليتان، من منتصف عصر جومون، بين نحو ٣٥٠٠ و٢٥٠٠ قبل الميلاد. صنعه إنسان بيديه، وأضاف إلى حافته أشكالًا بارزة وثقوبًا صغيرة. نعرف كيف تشكّلت أجزاء منه، لكننا لا نعرف اسم صاحبه ولا الكلمات التي كان سيصفه بها.

قد نسارع إلى تسمية الوعاء تعبيرًا عن حب الطبيعة أو حكمة البساطة. غير أن زخرفته الكثيفة تربك الصورة الجاهزة عن فن ياباني هادئ دائمًا، وأثره الباقي لا يمنحنا حق اختراع معتقدات صانعه. تستطيع الأشياء أن تحمل معرفة من دون أن تشرح لنا كل معناها.

هنا تبدأ الرحلة بسؤال عن طريقتنا نحن في الفهم. حين نتأمل عملًا قديمًا، ما الذي نراه فعلًا، وما الذي نأتي به من توقعاتنا؟ المعرفة تحتاج أحيانًا إلى خيال يقرب البعيد، وتحتاج أيضًا إلى حدّ يتوقف عنده الخيال. سيظل في هذا الوعاء شيء لا نعرفه، حتى بعد أن نحسن وصفه.

كيف تترك مجالًا لما لا تعرفه، وأنت تحاول فهم حياة بعيدة عنك؟

مصادر هذه الوقفة

أما القرية المتخيّلة في الصورة فتستلهم أواخر يايوي، نحو سنة 100 ميلادية؛ حقول الأرز فيها تنتمي إلى مرحلة لاحقة ضمن هذا الفصل الطويل، وليست صورة لحياة جومون كلها.

مخزن حبوب وخندق حول القرية

يمكن أن تبدأ حكاية الاستقرار بحقل أرز، ثم تنتهي إلى سؤال عمّن يملك مفتاح المخزن. في موقع يوشينوغاري، من عصر يايوي، كشفت الحفريات عن مخازن وحفر وخنادق وآثار أسلحة. ويستدل الباحثون من قوة التحصينات وتفاوت الأبنية واللقى على اختلاف المكانة بين السكان.

انتشرت زراعة الأرز المروي في الجزر عبر تحولات وهجرات وصلات بالقارة، ولم تتغير حياة المناطق كلها في الوقت نفسه. الماء يحتاج إلى تنظيم، والمحصول يمكن حفظه، وما يمكن جمعه في مخزن يمكن أيضًا حمايته أو السيطرة عليه. لا تقول لنا هذه الآثار إن كل مخزن كان وسيلة ظلم؛ إنها تمنعنا من تخيّل التعاون بعيدًا عن سؤال السلطة.

لنتصور، كتجربة فكرية، أن قرية اتفقت على تخزين جزء من محصولها لوقت الشدة. مَن يقرر مقدار ما تدفعه كل أسرة؟ ومَن يراقب المسؤول عن الحبوب؟ الحاجة إلى العون المشترك لا تحدد وحدها الطريقة العادلة لتنظيمه. قد يحمي النظام الناس، وقد يمنح بعضهم قدرة أكبر على التحكم في حياة الآخرين.

ما الذي يجعل التعاون عادلًا عندما تختلف قدرة المشاركين على اتخاذ القرار؟

مصادر هذه الوقفة

شوتوكو وهل يحتمل الوفاق اختلافنا

تخيّل مجلسًا يرى كل من فيه أن رأيه هو الصواب، وأن عناد الآخرين وحده يعطل القرار. يواجه نص البنود السبعة عشر، المنسوب إلى الأمير شوتوكو والمؤرَّخ تقليديًا بسنة ٦٠٤، هذا المأزق: لكل إنسان ميله، ومن الخطأ أن نعد أنفسنا حكماء دائمًا ومخالفينا حمقى دائمًا.

يُعرف النص باسم «دستور شوتوكو»، لكنه أقرب إلى توجيهات أخلاقية وسياسية للمسؤولين منه إلى دستور حديث. جمع أثرًا كونفوشيوسيًا وبوذيًا في زمن بناء سلطة البلاط، ودعا إلى التشاور في القضايا المهمة، والإنصاف في نظر شكاوى الناس. وفي الوقت نفسه شدد على طاعة الحاكم وحفظ المراتب.

هذا التجاور يجعل فكرة الوفاق أصعب وأغنى: هل يتحقق حين يستطيع المختلفون عرض حججهم، أم حين ينتهي اعتراضهم؟ النص يطلب من المسؤول أن يشك في عصمته، لكنه يضع هذا الطلب داخل نظام هرمي. ويمكن أن نرى في ذلك محاولة لضبط النزاع، وأن نسأل أيضًا عمّا يحدث حين يحتاج الإنصاف إلى مخالفة صاحب السلطة.

متى يكون طلب الوفاق دعوة إلى الإصغاء، ومتى يصبح ضغطًا على مَن له اعتراض وجيه؟

مصادر هذه الوقفة
مشهد متخيّل لمسكن من عهد هييان، بشرفة خشبية وستائر خيزران وأدوات كتابة وحديقة تتوسطها بركة.

نارا وهييان · 710–1185 م

الصورة والحكاية ومَن يراهما

كوكاي وما لا تنقله الكلمات وحدها

حين عاد كوكاي من الصين سنة ٨٠٦، كان مما حمله صور دينية تُعرف بالماندالا. تأمل واحدة منها: أشكال وشخصيات تتوزع في ترتيب دقيق. تبدو للناظر غير العارف رسمة معقدة، لكنها في تقليد شينغون الذي أسسه كوكاي وسيلة لعرض تصور كامل للعالم والممارسة البوذية.

رأى كوكاي أن بعض تعاليم هذا التقليد لا ينكشف بالشرح المكتوب وحده. للصورة وإشارات الجسد والصوت أدوار في التعلّم؛ والفهم المطلوب يتصل بمشاركة الإنسان بجسده وذهنه في ممارسة دينية، لا بحفظ تعريفات عنها. وينبع ذلك من تصوره البوذي لعلاقة الجسد والوعي بالعالم، وليس من وصفة عامة للاسترخاء.

يمكن تقريب جانب محدود من الفكرة بمثال معاصر: يستطيع كتاب أن يشرح لك حركة العزف، لكن قراءة الوصف لا تساوي تعلّمها. ثم يظهر السؤال الأصعب: كيف نميّز معرفة تحتاج إلى تجربة من ادعاء يحتمي بعبارة «لن تفهم حتى تجرّب»؟ تقدير حدود الكلمات لا يرفع الحاجة إلى السؤال عمّا تعلّمناه فعلًا.

كيف تختبر فهمًا يقول أصحابه إن الكلمات وحدها لا تكفي لنقله؟

مصادر هذه الوقفة

موراساكي وحكاية تدافع عن الحكايات

يدخل غنجي على تاماكازورا فيجدها منهمكة في قراءة القصص. يبدأ بالسخرية من انشغالها بأشياء مختلقة، ثم يتدرّج الحوار حتى يصبح هو المدافع عن الحكايات: قد تصف من حياة الناس ما لا تمنحه كتب التاريخ الرسمية المساحة نفسها. هكذا تجعل موراساكي شيكيبو شخصيات روايتها تناقش قيمة الرواية ذاتها.

يرد هذا المشهد في فصل «اليراعات» من «حكاية غنجي»، المكتوبة في أوائل القرن الحادي عشر. وهو أشد التباسًا من دفاع بسيط عن الأدب؛ فغنجي نفسه لا يخلو من المراوغة، وتنبّهه محاورته إلى ذلك. لا يمكن أن نفصل حُسن الكلام عن موقع المتكلم ومصلحته في قوله.

تتيح الحكاية سؤالين معًا. أولهما: هل يحتاج النص إلى أشخاص حقيقيين كي يقول شيئًا صادقًا عن الغيرة أو الخوف أو التعلّق؟ وثانيهما: هل تكفي قدرة المتكلم على فهم المشاعر كي يتعامل بإنصاف مع أصحابها؟ يمكن للقارئ أن يفهم شخصًا بعمق ويظل معترضًا على ما يفعل. وربما كانت هذه المسافة بين الفهم والتبرير من أهم ما يتيحه الأدب.

موراساكي شيكيبو

ما الذي يمكن أن تعرفه عن الإنسان من حكاية مختلقة، وكيف تمنع التعاطف من التحول إلى تبرير؟

مصادر هذه الوقفة

سي شوناغون وطرقة على الباب

أنت تنتظر شخصًا. تسمع طرقًا خفيفًا، فيتحرك قلبك، ثم يعود مَن فتح الباب باسم شخص آخر. لم يتغير صوت الطرقة؛ الذي تغيّر هو معناها لديك حين عرفت مَن وراء الباب. هذا تلخيص لمشهد صغير في «كتاب الوسادة» لسي شوناغون، كاتبة البلاط المعاصرة لموراساكي.

تجمع شوناغون قوائم وانطباعات ومواقف طريفة. تضع قاربًا عالقًا بعد انحسار الماء وشجرة اقتلعتها الريح ضمن أشياء فقدت قوتها، وتلتقط ما يجعل المرء مسرورًا أو منزعجًا. تصير التفاصيل مادة تستحق أن تُكتب، بما تحمله من فروق لا تظهر في أسماء المشاعر وحدها.

تساعدنا هذه الكتابة على رؤية أن الانتباه ينتقي. ما نعدّه عاديًا يضيء حين يتصل برغبة أو ذكرى، وما نراه جميلًا قد لا يراه غيرنا كذلك. وتظهر في أحكام شوناغون أيضًا ذائقة طبقة بعينها؛ فصفحتها لا تتكلم بالنيابة عن جميع من عاشوا حولها. لذلك تمنحنا قراءة كتابها معرفة بما تراه، وبالموضع الذي ترى منه.

لو قرأ شخص قائمة بما يسعدك ويزعجك، فماذا سيفهم عن العالم، وماذا سيفهم عنك أنت؟

مصادر هذه الوقفة
مشهد متخيّل لشرفة معبد ياباني في القرن الرابع عشر، تطل على حديقة هادئة يغطي الطحلب أجزاء منها.

اليابان في العصور الوسطى · 1185–1603 م

الممارسة وحدود الثقة بالنفس

شينران ومشكلة الواثق بصلاحه

شخص يعدد أعماله الحسنة كأنها رصيد يضمن له النجاة. قد يبدو مثالًا على الثقة المستحقة، لكن المعلّم البوذي شينران، في القرن الثالث عشر، رأى في الاعتماد على استحقاق النفس مشكلة دينية عميقة. فماذا لو كان الاطمئنان إلى صلاحنا يحجب عنا مقدار ما يحركنا من هوى؟

ينقل كتاب «تانيشو»، الذي دوّن أقوالًا منسوبة إليه، مفارقة صادمة: إذا كان الإنسان الصالح يولد في الأرض الطاهرة، فأولى بذلك الإنسان الذي يعي شرّه. المقصود، في تقليده، مَن يكف عن الاتكال على قدرته الذاتية ويثق بعهد أميدا بوذا. هذا تصور بوذي محدد للتحرر من دورة الولادة والموت، وله مفرداته ومقدماته الخاصة.

قد يُساء فهم المفارقة كأنها مكافأة على الإساءة. لكن الكتاب نفسه يرفض تعمّد الشر اعتمادًا على النجاة، ويورد تشبيهًا معناه أن وجود الترياق لا يدعونا إلى حب السم. بذلك يبقى التوتر حاضرًا: الاعتراف بعجز النفس يمكن أن يكسر غرورها، لكنه لا يصلح حجة للاستهانة بما تفعله بالآخرين.

كيف يمكن للاعتراف بحدود صلاحنا أن يزيد مسؤوليتنا، بدل أن يمنحنا عذرًا للإساءة؟

مصادر هذه الوقفة

دوغن والطباخ الذي بقي في الشمس

يروي دوغن أنه رأى، أثناء دراسته في الصين، راهبًا مسنًا يجفف الفطر في حر الشمس. تساءل: لماذا لا يقوم شخص آخر بهذا العمل؟ ولماذا لا ينتظر وقتًا ألطف؟ وكان جواب الطباخ، بالمعنى، أن غيره لا يستطيع أن يعيش تجربته بدلًا منه، وأن هذا هو وقت المهمة. يورد دوغن اللقاء في «تعليمات للطباخ».

كان المسافر الشاب يطلب التعليم البوذي، فوجد ما يستحق التعلّم في عمل ظنه أدنى من الدرس. سيمنح دوغن، الذي أسهم في تأسيس سوتو زن باليابان، الممارسة مكانة أساسية: ليست مجرد وسيلة تُترك بعد بلوغ الغاية؛ ففيها يتحقق ما تطلبه. لذلك يدخل إعداد الطعام والعناية بالمكونات في حياة التدريب، إلى جانب التأمل جلوسًا.

يمكن للآخر أن يعد الطعام فعلًا، لكن ذلك لا يجعل خبرته خبرتي. المسألة هنا قيمة المشاركة في الفعل نفسه. ولا يلزم من الحكاية أن يتحمل الإنسان كل عمل وحده أو يتجاهل حاجة جسده إلى الراحة؛ فهي تتناول الممارسة في سياق رهباني، لا قاعدة لإلغاء التعاون أو تمجيد الإرهاق.

دوغن

متى يكون إنجاز العمل هو الغاية، ومتى يكون في قيامك به بنفسك شيء لا تستطيع إسناده إلى غيرك؟

مصادر هذه الوقفة

الشرفة الهادئة المتخيّلة في الصورة توحي بمكان لهذه الممارسة؛ ولا تدّعي أن السكون وحده يحل كل صعوبة إنسانية.

كينكو ورجل عاد قبل أن يصل

كان راهب من معبد نينّاجي يتمنى زيارة مزار إواشيميزو. مضى إليه وحده، وزار موضعين عند سفح الجبل، ثم عاد راضيًا وقد حسب أنه بلغ مقصده. حكى لاحقًا أنه رأى الناس يصعدون، لكنه لم يلحق بهم؛ كان يظن أنه أنجز ما جاء لأجله. أما المزار الرئيسي فكان أعلى الجبل.

هذه حكاية من «مقالات في أوقات الفراغ»، كتبها كينكو في القرن الرابع عشر. المفارقة أن صاحبها تحرك وبذل الجهد ورأى المكان بعينيه، ومع ذلك أخطأ في فهم ما رأى. حتى صعود الآخرين، الذي كان يمكن أن يدعوه إلى السؤال، صار عنده تفصيلًا لا يخص غرضه.

يختم كينكو الحكاية بأهمية مَن يعرف الطريق. ويمكن للقارئ أن يتوقف قبل الخاتمة قليلًا: ربما لم تكن مشكلة الرجل أنه يجهل موضع المزار فحسب، بل أنه اعتقد أن لا شيء بقي ليسأل عنه. للخبرة المباشرة قيمة، غير أنها لا تشرح نفسها دائمًا. أحيانًا نحتاج إلى شخص يجعلنا ننتبه إلى أن ما حسبناه نهاية الطريق لم يكن نهايته.

كينكو

ما العلامة التي قد تدفعك إلى مراجعة فهمك، حتى وأنت راضٍ عما وصلت إليه؟

مصادر هذه الوقفة
مشهد متخيّل لدكان كتب ومشغل طباعة خشبية في عصر إيدو، يطل على زقاق تحفّه أبنية من الخشب.

عصر إيدو · 1603–1868 م

تنظيم الحياة وفهم المشاعر

سوراي وهل تصلح النيات وحدها المدينة

تخيّل حيًا يحتاج إلى تنظيم الماء، فيُقال لسكانه: ليكن كل واحد منكم إنسانًا صالحًا. للنصيحة قيمة، لكنها تترك أسئلة المواعيد والحصص وحل النزاعات بلا جواب. من هذا المثال المعاصر نقترب من أوغيو سوراي، مفكر عاش في عصر إيدو بين ١٦٦٦ و١٧٢٨.

عارض سوراي التعويل على تهذيب باطن الحاكم أساسًا كافيًا لإصلاح الحكم. رأى أن «الطريق» الذي أنشأه حكماء الصين القدماء يتجسد في طقوس وموسيقى وقوانين وتنظيمات عامة، تتعلمها النفوس بالممارسة. فالعادات والمؤسسات تؤثر في الناس، ولا يكفي أن ننتظر من كل عقل أن يصلح نفسه بنفسه.

كانت هذه حجة داخل نقاش كونفوشيوسي، في ظل مجتمع تحكمه نخبة الساموراي. وسوراي لم يدعُ إلى أن يختار الناس أي نظام يشاؤون؛ بل جعل ما وضعه الملوك الحكماء القدماء معيارًا يُرجع إليه في تنظيم الحكم. لذلك يفتح اقتراحه مشكلتين: كيف نصلح الشروط التي تصنع السلوك؟ وكيف نراجع تقاليد نافعة إذا صار قدمها نفسه حجة تمنع نقدها؟

إذا أردت تغيير سلوك يضرّ بالناس، فمتى تبدأ بتربية الفرد، ومتى تبدأ بتغيير القاعدة التي يعمل داخلها؟

مصادر هذه الوقفة

نوريناغا وحق الشخصية في أن تُفهم

نعود إلى «حكاية غنجي»، لكننا نفتحها هذه المرة مع قارئ من القرن الثامن عشر: موتوؤري نوريناغا. حين تحزن شخصية أو تغار أو تتعلق بمن يضرها، يمكن أن ننشغل فورًا بتصنيفها: أحسنت أم أساءت؟ يطلب نوريناغا أن ننتبه أيضًا إلى قدرتنا على فهم ما تشعر به.

جعل مفهوم «مونو نو أواري» مهمًا في قراءته للأدب: حساسية لما يثيره عالم الأشياء والعلاقات في النفس، بما فيه أثر الفقد والتغيّر. اعترض على حصر وظيفة الرواية في مدح الخير وذم الشر، ورأى أن قوتها تكمن في إدخال القارئ إلى حياة شعورية قد يعرف نظيرًا لها في نفسه.

هذا يترك مسافة دقيقة بين التعاطف والحكم. قد نفهم خيبة شخصية من دون أن نوافق على تصرفها، وقد يمنعنا استعجال الإدانة من رؤية حقيقة ما تعيشه. لكن نوريناغا ينتمي أيضًا إلى حركة دراسة النصوص اليابانية القديمة، وله مواقف في الدين والهوية تتجاوز هذه القراءة الأدبية. نقترب هنا من حجته في الأدب، ولا نجعلها تعريفًا ثابتًا لمشاعر اليابانيين.

موتوؤري نوريناغا

هل تستطيع فهم شعور شخص ترفض فعله، من دون أن تتخلى عن رفضك أو عن محاولة فهمه؟

مصادر هذه الوقفة

باشو وأعشاب تنمو فوق أحلام المحاربين

سنة ١٦٨٩، بلغ ماتسوو باشو هيرايزومي في رحلته إلى الشمال. كان ينظر إلى موضع ارتبط بقوة آل فوجيوارا ونهاية المحارب يوشيتسونه. في نص الرحلة، يتجاور ما بقي من الجبال والنهر مع ما اندثر من سلطان البشر؛ ثم تأتي قصيدته القصيرة لتضع أعشاب الصيف إلى جوار أحلام المحاربين الماضية.

لا تسرد القصيدة وقائع المعركة، ولا تطلب منا رأيًا جاهزًا في كل حرب. إنها تغيّر مقياس النظر: المكان الذي امتلأ يومًا بطموح المحاربين وخوفهم ينمو فيه العشب الآن. ويستدعي باشو في النثر المحيط بها أبياتًا لدو فو عن بقاء الجبال والأنهار بعد خراب البلاد، فتدخل ذاكرة الشعر الصيني في مشهد ياباني.

رأينا مع نوريناغا كيف تفتح القراءة مجالًا للشعور. وهنا يجعلنا باشو نختبر أثر الفناء من خلال شيء عادي تحت العين. هل يقلّل مرور الزمن من قيمة ما عاشه الناس، أم يكشف حاجتهم إلى مَن يتذكرهم؟ الأعشاب باقية في القصيدة، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال.

ماتسوو باشوموتوؤري نوريناغا

هل تدفعك معرفة أن آثارنا ستتغير وتزول إلى التقليل من قيمة أفعالنا، أم إلى النظر فيها بعناية أكبر؟

مصادر هذه الوقفة
مشهد متخيّل لغرفة دراسة نحو سنة 1900، تجمع أثاثًا خشبيًا وحواجز ورقية، وخلفها حديقة ومدرسة من الطوب.

ميجي والفكر الحديث · 1868–منتصف القرن العشرين

الاستقلال والتجربة في عالم متغيّر

فوكوزاوا والتعلّم الذي يغيّر علاقة المرء بالسلطة

يبدأ «التشجيع على التعلّم» لفوكوزاوا يوكيتشي بفكرة أن الناس لا يولد بعضهم أعلى من بعض. ثم يسأل عن الفروق التي نراها بينهم، ويمنح التعليم دورًا حاسمًا في تفسيرها. لماذا يمنحك اسم عائلتك حقًا لا يمنحه لغيرك اجتهاده؟

بدأ الكتاب يصدر سنة ١٨٧٢، بعد استعادة ميجي بأربع سنوات. أراد فوكوزاوا معرفة عملية واستقلالًا في الحكم والتصرف؛ فالذي يحتاج دائمًا إلى غيره كي يفهم شؤونه يصعب عليه أن يقف أمامه موقف الند. يرتبط التعلم هنا بمكان الفرد في المجتمع، وبقدرة البلاد على الاستقلال في عالم تتنافس فيه القوى.

لكن قوة الحجة تكشف حدًّا لها أيضًا. إذا كان التعليم يصنع فرقًا، فماذا عن اختلاف فرص الوصول إليه؟ لا يكفي أن نربط النجاح بالاجتهاد حتى يصبح كل تفاوت عادلًا. نستطيع أن نأخذ دعوته إلى الاستقلال بجدية، وأن نسأل كيف يتحول التعلم إلى حق يستطيع الفقير ممارسته، لا إلى امتحان جديد يُلام على أنه لم يجتزه.

فوكوزاوا يوكيتشي

ما الذي يحتاجه التعليم كي يمنح الناس استقلالًا حقيقيًا عندما لا تبدأ حياتهم من الفرص نفسها؟

مصادر هذه الوقفة

أوكاكورا والآلة التي لم تستجب للعازفين

يحكي أوكاكورا كاكوزو في «كتاب الشاي» عن شجرة صُنعت منها آلة وترية عجيبة. حاول عازفون إخضاعها لألحانهم، فلم تخرج منها النغمة التي يريدون. ثم جاء عازف أصغى إلى ما بدا أن الخشب يحتفظ به من الرياح والفصول، فاستجابت الآلة. هذه إعادة سرد مختصرة لحكاية صينية يوردها الكتاب، لا حادثة من حياة أوكاكورا.

كتب أوكاكورا عمله بالإنجليزية سنة ١٩٠٦، واستخدم الشاي والفن لمخاطبة قراء من خارج اليابان. وفي فصل «تذوق الفن»، تصبح الحكاية مدخلًا إلى المشاركة بين العمل ومَن يتلقاه: يحمل المشاهد ذكرياته وحساسيته، ويحتاج أيضًا إلى إفساح مكان لما لم يكن يريد سماعه مسبقًا.

تستطيع أن تدخل كتابًا بحثًا عن العبارة التي تؤكد رأيك، أو تمنحه فرصة لتغيير السؤال الذي أتيت به. لا يضمن هذا أن كل عمل سيستحق الإعجاب؛ وأوكاكورا نفسه يختار ما يعرضه من ثقافته ويدافع عن رؤيته، فلا يُؤخذ كلامه على أنه صوت أمة كاملة. لكن حكاية الآلة تضع صعوبة الفهم أمامنا: كيف نصغي من دون أن نفرض لحننا منذ البداية؟

أوكاكورا كاكوزو

حين تقرأ عملًا من ثقافة أخرى، كيف تعرف أنك بدأت تسمعه، لا أنك وجدت فيه صدى لما تعرفه؟

مصادر هذه الوقفة

نيشيدا ومَن يرى الحصان يعدو

يمر أمامك حصان يعدو. تستطيع لاحقًا أن تقول: أنا رأيته، وهذا هو الحصان، وهذه حركته. لكن هل بدأت الخبرة نفسها بهذا التقسيم المرتب، أم أن التقسيم طريقة لفهم ما حدث بعد وقوعه؟ هذا النوع من الأسئلة يقود إلى ما سمّاه نيشيدا كيتارو «التجربة الخالصة».

في «بحث في الخير»، الصادر سنة ١٩١١، حاول نيشيدا التفكير في الخبرة قبل فصلها إلى ذات تعرِف وشيء معروف. ولم يقصد لحظة خالية من كل تفكير؛ ففعل التفكير نفسه خبرة معيشة قبل أن نحوله إلى موضوع للتأمل. وذهب أبعد من وصف حالة نفسية، إذ جعل التجربة أساسًا لفهم الواقع، مستفيدًا من الفلسفة الغربية ومن خلفيته البوذية.

تطورت أفكاره لاحقًا ولم يبقَ عند هذا التعبير الأول. كما صارت علاقته بالخطاب القومي في زمن التوسع الإمبراطوري والحرب موضع نقد ونقاش. لا تعفينا دقة السؤال الفلسفي من فحص السياق الذي استُعمل فيه. ونستطيع، مع ذلك، أن نحتفظ بسؤاله مفتوحًا: هل نفهم الإنسان بوصفه عقلًا منفصلًا يراقب العالم، أم بوصفه كائنًا يتكوّن في علاقته به؟

نيشيدا كيتارو

ما الذي يتغير في فهمك لنفسك إذا بدأت من مشاركتك في العالم، بدل تخيّل نفسك واقفًا خارجه؟

مصادر هذه الوقفة

بدأنا بوعاء لا نعرف اسم صانعه، وانتهينا بسؤال عمّن يكون هذا الذي يقول «أنا». وبينهما ظهرت خلافات لا يجمعها جواب واحد: شوتوكو يطلب الوفاق داخل نظام الطاعة، وسوراي يعوّل على المؤسسات؛ شينران يرتاب في الاطمئنان إلى صلاح النفس، ودوغن يرى للممارسة قيمة لا تنوب عنها المعرفة بها. وتترك لنا موراساكي ونوريناغا سؤالًا آخر: كم نفهم من الإنسان إذا اقتصرنا على الحكم عليه؟ أيّ خلاف من هذه الخلافات يستحق أن تواصل التفكير فيه؟

العودة إلى السوقالقراءة وقفةً وقفة