قراءة متّصلة · ٧ دقائق

حين يشتد الغضب

رحلة في فهم الغضب وحفظ الحقّ

تشرح أمرًا يهمّك، فيقاطعك أحدهم للمرة الثالثة. تحاول أن تكمل، فيقول: «أنت تبالغ». تشعر بأن صوتك يريد أن يعلو قبل أن تجد كلماتك. وفي لحظة، يصبح الردّ حاضرًا على طرف لسانك.

ماذا مسّك في هذا الموقف؟ وماذا تريد أن يتغيّر؟ في هذه الرحلة نقترب من الغضب، ونبحث عن ردّ يحفظ حقّك وكرامتك، ويترك لك مساحة تختار فيها ما تفعل. يمكنك أن ترافق هذا المشهد، أو تستحضر موقفًا من يومك.

أسمّي ما يحدث داخلي

ربما تشدّ على فكّك، أو تقبض يدك، أو تبدأ في مقاطعة من يقاطعك. انتبه إلى العلامة التي تعرفها في نفسك، وقل ببساطة: أنا غاضب الآن. ثم لاحظ ما يدعوك الغضب إلى فعله: أن تصرخ، أو تنسحب، أو تقول كلمة تعرف أين ستصيب.

دع هذه الرغبة تتّضح قبل أن تتبعها. تستطيع أن تشعر بها، وأن تترك الفعل معلّقًا قليلًا. وقد يعينك أن تقول لمن أمامك: «أنا منزعج، وأحتاج لحظة لأرتّب كلامي». يكفي في هذه البداية أن تعرف ما يجري فيك، دون أن تجعل هذه اللحظة حكمًا على شخصك كلّه.

ما الذي مسّه الموقف؟

عد إلى المقاطعة. لعلّ الذي آلمك أن كلامك لم يُسمع، أو أن أحدًا قلّل من شأنك أمام الآخرين. وربما كنت متعبًا، فجاءت الكلمة فوق يوم ثقيل. وقد يكون هناك ظلم واضح يحتاج إلى اعتراض.

اسأل نفسك: ما الذي أريد أن يؤخذ بجدية هنا؟ حاول أن تسمّيه: وقتك، أو جهدك، أو حقّك في أن تُكمل حديثك. قد يجتمع أكثر من سبب، وقد تحتاج إلى وقت كي تفهمه. معرفة ما أغضبك تساعدك على توجيه كلامك إلى موضعه، وتجنّب أن تحمّل شخصًا واحدًا كلّ ما أثقل يومك.

أستعيد مجال الاختيار

كتب سينيكا:

«أعظم علاج للغضب هو الإمهال»

في الغضب، الكتاب الثاني، ٢٩؛ ترجمة عربية جديدة للمقتطف

يدعو سينيكا إلى إرجاء الحكم حتى يتّضح الأمر. وفي موقفك، قد يكون الإمهال بضع لحظات، أو طلبًا بتأجيل الحديث إلى وقت معلوم. يمكنك أن تقول: «أريد أن نكمل هذا الكلام بعد العشاء، حين أستطيع أن أسمعك وأشرح ما عندي».

اختر مهلة تستطيع الوفاء بها، إن كان الرجوع إلى الحديث مناسبًا وآمنًا. وخلالها، اترك لنفسك فرصة أن تهدأ قليلًا قبل أن تعود لتحديد ما تريد قوله. يظلّ حقّك في الاعتراض قائمًا، ويصبح أمامك وقت أوسع للنظر في طريقة التعبير عنه.

عن النص

ما الذي أريد حمايته؟

يكتب أرسطو:

«فأيّ إنسان يستطيع أن يغضب؛ فهذا سهل»

الأخلاق النيقوماخية، الكتاب الثاني، ٩؛ ترجمة عربية جديدة للمقتطف

ثم يبيّن صعوبة أن نغضب من الشخص المناسب، وبالقدر المناسب، وفي الوقت المناسب، وللسبب المناسب، وبالطريقة المناسبة. تأمّل ما يعينك من ذلك الآن: هل أريد أن يُسمع كلامي؟ أن يعود إليّ حقّ؟ أن يتوقف تصرّف يتكرر؟

حين يتّضح مقصدك، يسهل أن تختار ما يخدمه. فإذا نسب زميل جهدك إلى نفسه، فقد تحتاج إلى تصحيح واضح أمام المعنيّين. وإذا تأخّر صديق مرة، فقد يكفي أن تعرف ما حدث. لكلّ موقف قدره، ولك أن تطلب الإنصاف من غير أن توسّع الأذى.

عن النص

حزم بلا جرح

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»

رواه البخاري، ٦١١٤

في مشهد المقاطعة، يمكن أن تقول: «أريد أن أكمل فكرتي، ثم أسمعك. إذا استمرت المقاطعة، سأؤجّل الحديث». تسمّي ما تحتاج إليه، وتوضح ما ستفعله إن استمر الأمر. وجّه كلامك إلى التصرّف الذي تعترض عليه، وتجنّب أن تجمع فيه عيوب صاحبه وتاريخه.

قد يسمعك الآخر، وقد يزداد عنادًا. لست قادرًا على ضمان استجابته. وإذا تكرر التجاوز، فربما احتجت إلى مسافة أطول، أو إلى مساندة شخص تثق به. وحين يكون هناك تهديد لسلامتك، قدّم الابتعاد وطلب العون على استكمال النقاش.

عن النص

خطوة أختارها

قد يبقى في صدرك شيء من الغضب بعدما قلت ما عندك. امنح نفسك وقتًا، واختر خطوة تناسب ما حدث: حديثًا في موعد آخر، أو طلبًا محددًا، أو مسافة تحتاج إليها. وقد يتبيّن لك أنك أسأت فهم كلمة، فتسأل صاحبها عمّا قصد.

وإذا خرجت منك إساءة، يمكنك الاعتذار عنها مع بقاء اعتراضك على ما آذاك. قل ما تتحمّل مسؤوليته بوضوح، ودع لكلّ أمر حقّه من المعالجة. لعلّ ما تأخذه من هذه الرحلة جملة تستطيع قولها حين يعلو الغضب، وخطوة تعرف لماذا تختارها.

قبل أن تغادر

ما الذي تريد أن يتغيّر في هذا الموقف، وما الخطوة التي تستطيع اتخاذها الآن؟

العودة إلى الساحةالقراءة وقفةً وقفة